العنف ضد المرأة ... وجدار الصمت!!/ بقلم : مؤيد عفانة

تاريخ النشر : 2011-12-18 11:51:39 أخر تحديث : 2011-12-18 11:51:39

العنف ضد المرأة ... وجدار الصمت!!/ بقلم : مؤيد عفانة

أحيا العالم في الخامس والعشرين من تشرين ثاني الماضي ولغاية أيام قليلة خلت حملة مناهضة العنف ضد المرأة، حيث أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذاك اليوم من كل عام يوماً عالمياً للقضاء على العنف ضد المرأة، ودعت الحكومات والمنظمات الدولية إلى تنظيم أنشطة وحملات تهدف إلى زيادة الوعي العام لتلك المشكلة، واتخذت قرارا أممياً بذلك في كانون أول 1999. وقد درج أنصار المرأة على الاحتفال بيوم 25 تشرين الثاني بوصفه يوماً ضد العنف الموجه للمرأة، وقد استُمد ذلك التاريخ من الاغتيال الوحشي في سنة 1960 للأخوات الثلاثة (ميرابال) اللواتي كنَّ من السياسيات النشيطات في جمهورية الدومنيكان، وذلك إبّان فترة حكم الدكتاتور الدومينيكي رافاييل تروخيليو.

ولعلها "مصادفة حتمية" أن تتقاطع هذه المناسبة زمنيا مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان واليوم العالمي لمكافحة الفساد! والتي احتفل بهما العالم أيضا من أيام قليلة مضت، فالعنف ضد المرأة هو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، الإنسان بأبسط مفهوم له والذي لا يفرق بين ذكر أو أنثى، كما أن العنف ضد المرأة مظهر من مظاهر الفساد القيمي في المجتمعات والشعوب .

إن الباروميتر الذي يقاس به رقي أي شعب من الشعوب هو ما يملك أفراده من وعي ونضج فكري ويظهر ذلك في سلوك المجتمع وشعوره وكذلك في (لا شعور المجتمع)، حيث أن نمو الوعي لدى أفراد المجتمع يحتاج إلى وقت لكي تينع أوراقه وتنضج أفكاره، خاصة في مجتمعات ما زالت تتلمس الخطى للارتقاء بقيمها وأفكارها، تبعا لوجود سمات ما زالت تطبع تفكيرها بطابع إنكار الآخر وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا تسمح بالنقد البنّاء أو حرية التعبير. لذا فإن التفكير في ظاهرة العنف ضد المرأة يستوجب اعتبارها ظاهرة اجتماعية تقتضي تحليلها في عمقها وليس التعامل معها كسلوك سيكولوجي شاذ. لذا فنحن نحتاج إلى تغييرات راديكالية في بنية تفكير المجتمع في النظر إلى موضوع العنف ضد المرأة .

وعادة ما يكون للعنف ضد المرأة أشكالاً مختلفة ومتعددة فمنها العنف الجسدي واللفظي والجنسي والنفسي، ولكننا سنقف اليوم لنسلط الضوء على شكل آخر – وربما اكثر بشاعة- من أشكال العنف ضد المرأة وهو العنف الرمزي، حيث يعرف السوسيولوجي الفرنسي (بيير بورديو) العنف الرمزي في كتابه "الهيمنة الذكورية" بالقول: العنف الرمزي هو عبارة عن عنف لطيف وعذب وغير محسوس وغير مرئي لضحاياه أنفسهم، وهو عنف يمارس عبر الطرق والوسائل الرمزية الخالصة أي عبر عملية التعرف والاعتراف أو على الحدود القصوى للمشاعر .

فالعنف الرمزي هو عنف بنيوي لا ينبع من الأفراد بل من بنى اجتماعية وقانونية يتبناها الأفراد والمجموعات. وهو عنف هادئ يعمل في صمت، ولكنه يعمل باستمرار، فهو كالآلة الصامتة التي تسحق القيم، وهو ليس فعلا اجتماعيا منافيا للأخلاق السائدة بل قد يكون فعلا مغرقا في الاجتماعية والانسجام مع الأخلاق السائدة. ولا شك أن المجتمعات تشترك في هذه الظاهرة، ولكن الاختلاف يكمن في حجمها ومدى وعي المجتمعات والحكومات لها. والخطورة تكمن في أن العنف يستعر عندما يمارس باسم مبدأ رمزي يعتبر أسمى من ممارس العنف والضحية معا.

ولأن فلسطين تستحق الأفضل على الدوام، ولأن المرأة الفلسطينية تستحق أكثر بكثير مما هي عليه الان من حقوق مجتمعية وقيمية، فالمطلوب منا دوما أن نرنوا إلى النماذج الأكثر رقياً، وهنا لا بد أن نعمل معاً تجاه خلق وتعزيز ثقافة مجتمعية تناهض العنف ضد المرأة بكافة أشكاله الشعورية واللاشعورية، وان لا نركَن في ذلك على مؤتمر هنا أو ورشة عمل هناك تخاطب شريحة محددة ومقننة من المجتمع الفلسطيني، أو أن نكتفي بإنشاء وزارة تعنى بشؤون المرأة، تفتقد للأذرع الميدانية الفاعلة، خاصة في المدن والأرياف البعيدة عن المركز، وأثرها محدود جدا في التأثير على ثقافة المجتمع السائدة .

وختاماً، لا بد للمرأة الفلسطينية أن لا تساهم في ممارسة العنف ضدها من خلال سلبيتها وصمتها!، فالتعنيف المادي أو اللفظي لا يزال دون روادع جدية في مجتمعنا مما يحد من حريات المرأة الأساسية، وسبب رئيس في ذلك صمت المرأة وسلبيتها لتواكب "نمطية" تفكير المجتمع، وخوفها من ثقافة مجتمع سيحاسب المرأة ويجرم سلوكها- وان كانت مُعنَفة- بدلا من تجريم المُعَنِف نفسه.

ولن تستطيع المرأة في ظل ثقافة مجتمعية من هذا النوع من ممارسة حقوقها وتأكيد مكانتها كانسان له الحق في التمتع بكافة الحقوق الإنسانية، إلا من خلال كسر جدار الصمت حول هذه المشكلة والثورة في وجه كل مستغل أو مُعَنِف لها مهما كان، وصولا إلى ربيع قِيَميّ في المجتمع الفلسطيني يزهر إنصافا وحقوقا للمرأة الفلسطينية .

المصدر:

الملخص:

أخبار ذات صلة