هل تتبرع بأعضائك ؟

تاريخ النشر : 2017-11-05 00:00:00 أخر تحديث : 2017-11-05 12:06:30

هل تتبرع بأعضائك ؟

تواصل معي الشاب و.ع الذي يغسل الكلى منذ خمسة أعوام وهو يشغل منصب رئيس جمعية لرعاية مرضى الفشل الكلوي وطلب مني توظيف عمودي الأسبوعي لرفع الوعي وإثارة موضوع التبرع بالأعضاء، لقد شهدت شخصياً على معاناة صديقي الذي احتاج لزراعة النخاع، وشاهدت عبر شاشة تلفزيون فلسطين برنامجاً مساء الأحد مخصصاً للحديث عن زراعة الأعضاء وثقافة التبرع بها، وقد هزتني فرحة الشابة التي هاتفها وزير الصحة متبنياً لحالتها ووعدها بزراعة الرئة، كما لن أبخل عليكم بكمية الأمل والإيجابية وروح العطاء والاستمرار التي وهبنا إياها الله من خلال الشاب الذي تبرع لوالدي. مروري شخصياً بالتجربة القاسية إضافة لمعاناة واضطرار صديقتي ب.م للسفر للبحث عن متبرع بالكبد لإنقاذ حياة والدها، ومغادرة أصدقاء والدتي لإجراء عملية زراعة الكلى خارج البلاد، واضطرار طالبتي ر.ا للتغيب عن المحاضرات لمرافقة والدتها لجلسات الغسيل، وحتى في صالون التجميل، نظرات الحزن التي كنت أرى في عيون الصبية التي تحرص على الوصول مبكرة الى العمل حتى تتمكن من المغادرة في وقت جلسات غسيل والدتها. كل هذه المُشاهدات من واقعنا هذا العام ومراسلة و.ع لي كانت مُسبباً رئيسياً للكتابة عن الموضوع الآن.

زراعة الأعضاء هي حاجة والتبرع بها شبه معدوم في بلادنا، يحاول البعض إغلاق الموضوع من خلال الحديث الديني واهمية عدم المساس بالجسد الذي وهبه الله لكل إنسان على حدة، وهنا وجب التوضيح وبعد أخذ الرأي الشرعي أن الموضوع لا يخالف الدين أبداً، على العكس تماماً، فالديانات جمعاء كانت واضحة بالحديث عن العطاء وعمل الخير وعظيم الثواب ولا ننسى الآية القرآنية "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً"، تفسير الآية الذي يماشي أيامنا هذه يشمل إحياء النفس من خلال التبرع بالأعضاء فهذا يُعتبر من أرقى وأرفع أنواع الصدقات. إن الله سبحانه وتعالى وهبنا صحة وأجسام قوية وزينها جميعاً بالعقل، يستطيع إنسان واحد أن يعيد الحياة ل ٧ أو ٨ أشخاص إذا كان متبرعاً، فالشاب الذي أعاد أبي إلى الحياة، بنفس اليوم كان متبرعاً بالكلى والكبد والرئتين والقلب وقد وهب الحياة من جديد لستة أفراد وأعاد الأمل للعشرات لا بل للمئات من عائلاتهم وأصدقائهم. لمّ لا وهو ذاهب لمقابلة وجه ربه بكل هذا الكرم والعطاء، فأي ملاقاة هذه!

في الدول الغربية يتم سؤال الفرد عند حصوله على رخصة السياقة إن كان راغباً بالتبرع بأعضائه، وتضع إشارة على بطاقة الرخصة الشخصية تبين نية الفرد، ففي حال تعرض لحادث مثلاً وذهب في حالة موت سريري يستطيع الأطباء أن يعرفوا نية المتبرع من خلال بطاقته الشخصية ثم يتواصلون مع الأهل للتأكيد على العملية. قد يكون الموضوع عاطفياً بعض الشيء، ولكن كلنا يعلم أنه في حال توقف عقل الانسان عن العمل، يدخل الجسم في حالة موت سريري ويمكن لأعضاء الجسم الأخرى أن تعيش لعدة أيام على الأجهزة الطبية الكهربائية المساندة، إلا أنها علمياً وعملياً ستهلك وستذهب تحت التراب وستجرى عليها التفاعلات الطبيعية في الأرض التي ستؤدي إلى تحللها.

لقد أقر مجلس الوزراء الفلسطيني قانون التبرع ونقل الأعضاء مطلع هذا العام والحكومة بصدد إنشاء المركز الوطني للأعضاء، إلا أننا في فلسطين بشكل خاص وفِي العالم العربي بشكل عام ما زلنا كمواطنين غير قادرين على استيعاب الفكرة. إن المحتاج الذي يمر بالتجربة يدرك تماماً أهمية الموضوع، ويقتنع سريعاً بفكرة أن يكون مُتبرعاً، أتمنى من كل من يقرأ مقال اليوم أن يفكر جيداً بأهمية التبرع وأن نجعل من الموضوع قضية رأي عام تحتاج للمزيد من رفع الوعي والإدراك لنصل لتبني سياسات عامة تسهل وتنظم الإجراءات وعملية التبرع ابتداءً من سؤال الأفراد في سن معين ونقترح هنا سن الحصول على الهوية (البطاقة التعريفية) أو سن الحصول على رخصة القيادة. الكثيرون، اليوم سيحاولون تجاهل الموضوع من خلال التشكيك بتطور النظام الصحي الفلسطيني وقدرة مستشفياتنا أو أطبائنا على زراعة الأعضاء، أرجو من الجميع اليوم التفكير بما نحن قادرون على فعله كأشخاص وأفراد وأن نترك ما تبقى للجهات المختصة التي تعمل وتحاول جاهدة لخلق تقدم في هذه المجالات الطبية المُعقدة. إذا ما أقدمنا نحن كأفراد على الإيمان بهذا الموضوع، ستكون فلسطين عنواناً للمنطقة العربية والشرق أوسطية في مجال التبرع بالأعضاء. لنتابع جميعاً شاشة تلفزيون فلسطين مساء الأحد للاستزادة في موضوع التبرع بالأعضاء وللحديث عن القانون الخاص بها وما تم تبنيه مِن خطط وسياسات لجعل هذا الحلم حقيقة.

ما زالت تدوي في رأسي أصوات مروحيات الهيلكوبتر التي كانت تهبط على شرفة خاصة في المستشفى تحمل الأعضاء المُتبرع بها، محفوظة في علب الثلج المُعالجة، لتتم زراعتها في أجسام المرضى، أما صورة الطائرة تهبط وأنا أغادر المشفى، فلا تترك مخيلتي. لنجعل من فلسطين ومن المركز الوطني للأعضاء، مهداً لوهب الحَيَاة، لنفكر جميعاً ونقول: نعم أنا موافق للتبرع بأعضائي في سبيل وهب الحياة لانسان مُحتاج.

المصدر: alquds.com

الملخص:

أخبار ذات صلة